محمد سعيد رمضان البوطي
359
فقه السيرة ( البوطي )
ولبث معاذ في اليمن إلى ما بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكان الأمر كما أخبر به عليه الصلاة والسلام . العبر والعظات : أهم ما ينبغي على المسلم أن يفهمه من أمر هؤلاء الرسل وأمثالهم الذين بعثهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأمر الدعوة إلى الإسلام وتعليم مبادئه وأحكامه أن مسؤولية الإسلام في أعناق المسلمين في كل عصر وزمن ليست من السهولة واليسر كما يتصور معظمهم اليوم . فلا يكفي أن ندّعي الإسلام بألسنتنا المجردة ، كما لا يكفي أن يكون نصيبه من حياتنا بعض أعمال يسيرة ، كانت في أصلها جليلة ، ثم تحولت في حياتنا إلى عادات وتقاليد ، بل ولا يكفي أن يتمسك الواحد منا بالإسلام لنفسه فقط ، ثم يغلق بابه دونه لا يسأل عن شيء . لا ترتفع مسؤولية الإسلام عن أعناق المسلمين حتى يضيفوا إلى هذا ، القيام بواجب الدعوة إليه والتبشير به ، والسفر في سبيل ذلك إلى شتى الجهات والقرى والبلدان . تلك هي الأمانة التي ألقاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أعناقنا ، وذلك هو الواجب الذي لا محيص عنه في كل عصر ومكان ، وقد أجمع العلماء والأئمة الأربعة أن القيام بحق هذه الدعوة في داخل البلدان التي يقيم بها المسلمون وخارجها ، فرض كفاية على كل المسلمين ، ولا يتحللون من مسؤوليته وجريرة التقصير فيه إلا بقيام جمهرة منهم تنتشر فيما تستطيع أن تنتشر فيه من الجهات والبلدان داعية إلى اللّه تعرض حجج الإيمان وبراهين الإسلام وتزيل ما قد يعترض أذهان الناس إلى ذلك من الشبه والوساوس المختلفة ، بحيث تقع أعمال هذه الجمهرة موقعا من الكفاية في القيام بهذا الواجب ، وما لم تتوفر هذه الفئة في كل بلدة من بلاد الإسلام فجميع أهل تلك البلدان آثمون . والصحيح الذي ذهب إليه جمهور الأئمة والفقهاء : أن هذا الواجب الخطير لا يتعلق بأعناق الذكور من المسلمين فقط ، بل هو عام يشمل الذكور والنساء والأحرار والعبيد ، ما داموا داخلين في ربقة التكليف قادرين على القيام بأعباء الدعوة والتوجيه ، كل حسب حدود إمكاناته ووسائل استطاعته « 1 » .
--> ( 1 ) انظر مغني المحتاج : 4 / 211 ، والأحكام السلطانية للماوردي .